أخبار عاجلة
المصري اليوم : مدرب سويسرا فخور بمنتخب بلاده -

مقالات القبس الكويتية: تقاليد.. «الشرهة» وعطايا النواب

أخذ أحد النواب خطوة نحو المقاربة لملف العطايا، في إشارة إلى أن بعض النواب في انتظار هدية الصيف المتوقعة من الحكومة، وبهذه الإشارة، التي ربما قيلت ببساطة بريئة، انفتح بئر الغليان على النواب الذين يأخذون بهدوء بما يتعارض مع أصول النزاهة التي يجب أن يتحلى بها النائب.

وتولى النائب رياض العدساني المبادرة بالتطوع بمساءلة رئيس الوزراء لكشف هذا المستور الغامض والوقوف على أسراره وطبيعته، وكان رد الحكومة بأن الكويت تقترب من جميع المواطنين وفق بورصة واحدة، فتساعد وفق لائحة معروفة ومستمرة، ولم يجد بعض النواب في بيان مجلس الوزراء ما يريحهم لأنه لا يضع النقاط على الحروف وإنما يتحدث في عمومية النهج المتبع والمعروف، فبعث عدد من النواب رسالة ترفع إلى المجلس لتناقش في جلسة قريبة ضمن بند الأوراق والرسائل الواردة، يطالبون فيها المجلس باتخاذ قرار بإحالة الموضوع المثار بكل ما فيه من بيانات ومعلومات متداولة كبلاغ يقدم إلى الهيئة العامة لمكافحة الفساد للتحقيق والتثبيت واتخاذ الخطوات القانونية اللازمة لحفظ المال العام وإحالة كل متجاوز إلى القضاء وفقاً لقانون هيئة مكافحة الفساد وقانون حظر تعارض المصالح، ووقّعت الرسالة مجموعة حدس في البرلمان… هكذا كانت الصيغة..

وانفتح بذلك عش الدبابير، ويتوقع كثيرون أن الكويت ستدخل في أجواء ساخنة تعكر المزاج السياسي، وربما ينكشف المزيد من ملفات الفساد التي استمرت في غموضها وأسرارها منذ مدة.

ومن الواضح أن جماعة حدس وغيرهم يتحركون وفق قراءاتهم لبنود الدستور، في قراءة حرفية في الجانب الخشن من الدستور، الذي يتشكّل من جانبين، أو من مجرى خشن ومجرى ناعم، فـ«النصف الخشن» هو البنود الجافة وضوابط تنظيم الجلسات وإجراءات التصويت ولوائح على قواعد سير العمل، والجانب الآخر «المجرى الناعم» هو روح الدستور – ليس النص – وإنما الروح الرحبة التي أفرزت العهد المتبادل بين النظام السياسي والمواطنين، ومكّنت الكويت من بناء ثوابت وطنية سياسية وقانونية ونسميها أعمدة الثبات والاستقرار، في مشاركة بدأت مع استقلال الكويت عام 1961.

ونلاحظ أن الكثير من بنود الدستور مستوحاة من شراكة تاريخية وترابط تراثي بين النظام السياسي وأهل الكويت، مع بروز طلائع الدولة الكويتية، وجوهر هذا الترابط يتواجد في الروح الجامعة المحببة للجميع وليس في النصوص الناشفة، ولم يأت على بال المؤسسين خلال مداولات المجلس التأسيسي وضع حد للتقاليد التي سارت عليها البلاد وتمثلت في العلاقة بين الحاكم آنذاك وبين المواطن، بما فيها ما كان يعرف بـ«الشرهات»، وهو نظام غير مكتوب يستجير فيه المواطن برحمة القادر سواء كان حاكماً أو محسناً، وللشرهة أعراف، وأبرزها السرية، فلا المحسن يتحدث أو يتباهى، ولا المستلم يخرجها للعلنية، وهي عرف قبلي تقليدي مقبول اجتماعياً، ليس فيه عسر أو تضييق، وإنما نخوة من القادر إلى من يظن نفسه المستحق.

ولم يتوقف هذا المنحى التراثي، بل بالعكس فقد تحول إلى صيغ مختلفة، أبرزها القصائد التي نقرأها في صحافة الخليج وفي الكويت تستنطق المروءة وتثير غيرتها وتحاور النخوة، وفي الكويت هناك نواب ربما ينطبق عليهم غطاء التعفف، مثل غيرهم من المواطنين الذين يأخذون مساعدات بوسائل متعددة، للعلاج وللبناء وللاستمتاع، وليس من السهل المطالبة بالعلنية، لأن الشرهة هي ستر للمحتاج وليست تشنيعاً باستغلال الموقف.

لكن ما نسميه شرهة لا يتعدى مبالغ لها سقف ولا يصل إلى الملايين وإنما هي سد حاجة عابرة، ولا تتميز الشرهة بضخامة حجم المظروف وإنما هي جزء من آليات الحرص على سلامة المواطن وتخفيف آلامه، وأعتقد أن بيان مجلس الوزراء ينساب في هذا المجرى وليس بالمعنى الذي يستحضره نواب حدس وآخرون، وجميعهم تأثروا بالتركة المحرجة التي تعرض إليها النواب منذ سنوات، والتي لم تكن من صنف الشرهات وإنما كانت مفسدة سياسية وأخلاقية لم يحسن المتذمرون إدارتها لأنهم لم يأتوا بالدليل القاطع.

نعود إلى حقيقة دستور الكويت في اهتمامه بالروح واعتبارها عاملاً مؤثراً في حل المشاكل وتجاوز العقبات، لأنها مرآة تعبر عن القيم العالية التي تسود، لا سيما في العلاقات الإنسانية بين المسؤولين والمواطنين، ولكن مع اتساع القاعدة الشعبية وموجات التجنيس وتعاظم الأعداد التي تنتخب ومع تنوع مواصفاتها أصبح الطغيان للنصوص، وانحسرت اعتبارات الروح التي كانت عروق التنفس للدستور، ولهذا كثرت الاستجوابات واستسهل النواب آلية الاستجواب ومارسوها بخفة كما نشهد في الفترة الأخيرة، ولعل أبلغ دليل على الاستسهال تحرك النائب رياض العدساني بسرعة – توافقاً مع الموجة – ليستجوب رئيس الوزراء إذا لم توضح الحكومة الوضع.

والواقع أننا متهيئون للمزيد من المواجهات القادمة التي يحركها النواب، مستفيدين من نصوص الدستور السخية التي تعطي نائباً واحداً حق الاستجواب، وهذا النص ولّد خروقات وإحراجات في العلاقة بين الحكومة والبرلمان، ولا جدال بأن انحسار الاهتمام بروح الدستور في الاعتبارات السياسية وتلاشيها من حسابات النواب أوصلا الحياة الكويتية البرلمانية إلى واقع اليوم.

الشرهة لها أوزان، وإذا غابت عنها هذه الأوزان صارت رشوة، وبيان الحكومة يتحصن في ممارسة تقاليد لها مجرى متوارث في حياة الخليج.

عبدالله بشارة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى مقالات القبس الكويتية: لا شيء يعادل الوطن