الإشتراكي نت : التدخلات الأجنبية في اليمن القديم

الإشتراكي نت 0 تعليق 220 ارسل لصديق نسخة للطباعة


    من الثابت أن اليمن قد تعرضت لتدخلات أجنبية متعاقبة بدأت في القرن الأول ق.م واشتدت مطلع القرن الثالث الميلادي وبلغت ذروتها في القرنين الرابع والسادس الميلاديين، فموقع اليمن الذي يتوسط طريق التجارة العالمية بين الشرق والغرب كان محط أنظار الدول الكبرى، التي سعت لمد نفوذها السياسي والاقتصادي...

   ففي فترات منيت بها اليمن بالضعف والتفكك، حاولت الدول المتحكمة بالتجارة في الشرق والغرب التدخل بشؤون اليمن إما بطريقة مباشرة (الغزو)  أو غير مباشرة لتحقيق المكاسب الاقتصادية المرجوة..

يصف الباحثون هذه الفترات التاريخية من عمر اليمن بالغموض لعدم توفر مصادر أصلية تمكن من خلال دراستها تقصي الحقائق، وسنحاول جاهدين عرض ما جادت به المراجع التاريخية الحديثة عن التدخلات الأجنبية في فترات من تاريخ اليمن القديم سادت فيها الصراعات الداخلية.

مع العلم أن دراسة الدكتور فاروق عثمان أباظة(۱) المنشورة في مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية العدد السادس عشر الصادر في أكتوبر 1978 والمعنونة بـ(( التدخل الأجنبي في اليمن في نهاية عهد حضارته القديمة وموقف الشعب اليمني إزاءه))، تعد المرجع الرئيسي التي استمدت منها فكرة المقال وقد بني على أساسها ما تم استقاءه من المراجع الأخرى.

 وقد كان الهدف من كتابة هذا المقال معرفة أسباب التدخلات الأجنبية في اليمن القديم، وسرد تفاصيل الأحداث الواردة في الدراسات والنقوش ومحاولة مقارنة الماضي مع أحداث الحاضر التي سيلاحظها القارئ دون ذكر للتفاصيل.

 محاولة غزو اليمن (24 ق.م)

  ((إتجهت من مصر حملة عسكرية قوامها عشرة آلاف جندي على ظهر أسطول مكون من 80 سفينة و 130 حاملة جنود)).

هذه المعلومات وردت في الكتابات الكلاسيكية لـ((سترابو)) معاصر وصديق إليوس جالوس والي مصر الروماني وقائد الحملة العسكرية الرومانية على اليمن سنة 24 ق.م، في ظل حكم القيصر أوغسطس، والتي ارتبط فيها الرومان بحليفتهم (مملكة النبط)، فكان دليلهم إلى اليمن الوزير النبطي ((سيلاس)) على رأس ألف من النبط الذين اشتركوا في الحملة مع الجنود الرومان.

كتابات سترابو وصفت ما تعرض له الجنود الرومان من صعاب مات أكثرهم بسببها، إذ قضوا ستة أشهر حتى وصلوا إلى نجران وأرادوا التقدم إلى مأرب -عاصمة السبئيين حينذاك- و((هناك حدثت معركة هزموا فيها وعاد القليلون منهم إلى مصر منهكين)). (۲)

إن فشل هذه الحملة لم تؤثر في رؤية الإمبراطور أوغسطس في السيطرة على البحار الجنوبية، فقام الرومان بتغيير خططهم الاستعمارية ولم يفكروا في غزو عسكري مباشر، بل رأوا إن تقوية أسطولهم في البحر الأحمر وتحسين علاقاتهم السياسية بالإمارات القائمة في جزيرة العرب وتوجيه أنظارهم نحو مملكة أكسوم (الأحباش) وعقد إتفاقيات معها؛ سيكون كفيلا لتحقيق أهدافهم الاستعمارية في اليمن.

فقد استطاعوا فيما بعد السيطرة على ميناء عدن عن طريق البحر بمساعدة الأحباش، حسب ما جاء في كتاب (( الطواف حول البحر الأريتيري)) ومن خلاله تمكنوا من التوجه إلى الهند وقد وضع الرومان في عدن حامية عسكرية لضمان سلامتهم.

وكانوا يقيمون لميناء عدن وزنا كبيرا حتى أنه عرف باسم((مستودع الرومان)) نظرا لأهميته الاقتصادية ((مما يؤكد أن الرومان لم يتركوا هذا الميناء إلا عندما اضطروا لذلك)).

وآخر ما قيل عن تدخل الرومان في شؤون اليمن هو أن القيصر سبتميوس سفيروس أرسل حملة عسكرية في عام 201 ميلادية توغلت في اليمن غير إن معارف الباحثين عنها محدودة.

ويرجح الدكتور فاروق أباظة إن الحملة تقدمت من ((الولاية العربية)) التي أنشأها الإمبراطور الروماني تراجان على أنقاض مملكة النبط سنة 105 ميلادية.

التدخل والغزو الحبشي الأول والثاني

  عندما اشتعلت الخلافات بين حكام ممالك اليمن " سبأ وحمير وحضرموت " في القرون الميلادية الأولى، سبب ذلك ضعفا وتمزقا؛ مما جعل الدول الكبرى وأذيالها يبرزون أنيابهم للاقتضاض على الفريسة التي تكاد أن تموت، حتى وصل الأمر  حينها أن قام بعض الملوك بالاستعانة بالأحباش في حروبهم ضد خصومهم الآخرين..

 فقد ورد في النقش CIH 308 (۳)، إن الملك علهان نهفان الهمداني ملك سبأ  ( الذي حكم ما بين 200_ 220 م تقريبا) عقد إتفاقية مع ((جَدْوَرَةْ)) ملك أكسوم تقضي بالتعاون بين الطرفين أيام السلم والحرب وأن الاعتداء على أحدهما يعد اعتداء على الطرفين، ومحاربة كل عدو يريد شراً بأحدهما، وأن الاتفاقية بين قصر سلحين ( رمز حكم سبأ ) وقصر زراران (رمز حكم أكسوم) استكمالاً للتحالف المبرم من قبل مع يدع أب غيلان ملك حضرموت ، كما يذكر بالنقش حروبه ضد الحميريين وغير ذلك من الأحداث.

وقد كان الهدف من تحالف الملك علهان نهفان مع الأحباش إضعاف الحميريين وإنهاكهم بحروب أخرى مع الحبشة التي حصلت على موطئ قدم في تهامة وسواحل البحر الأحمر، وكانت هذه المناطق حينذاك تحت سيطرة الحميريين.

وعلى ما يبدو، كان الملك علهان يعتقد بأن هذه الحروب سوف تكون وبالا على الحميريين فقط، ولكنه منح الأحباش فرصة ذهبية لطالما حلموا بها  وكانت لها تبعاتها ودفع ثمنها غاليا كل أبناء اليمن.

لكن، هل استمر التحالف بين سبأ والأحباش ؟ بالطبع لا، فتلك الاتفاقية نسفها الملك شاعر أوتر بن علهان نهفان كما جاء بالنقش Ir 12(٤) الذي تحدث فيه القائد وافي أذرح قائلاً: إنه أهدى إلمقه تمثالين ذهبيين حمداً وشكراً على صدور قرار سيده الملك شاعر أوتر القاضي بتعيينه قائداً للقوات المرابطة في حدود حاشد أثناء الحرب مع الأحباش ومن معهم من قبائل السواهر وخولان الجديدة.

 ويذكر وافي أذرح، إنه أقام التحصينات العسكرية على طول حدود حاشد، وذكر أيضا القتلى والأسرى والغنائم في تلك المعارك ...

ويبدو أن الملك شاعر أوتر استطاع إيقاف الخطر الحبشي مؤقتاً ضد مملكة سبأ ، لكن الأحباش لم يتوقفوا عن تحرشهم بالممالك الأخرى، التي كانت تعيش فترة من الصراع بين سبأ وحمير من جهة وسبأ وحضرموت من جهة أخرى، فحاول الأحباش الاستفادة من  ذلك الوضع وقاموا بالهجوم على ميناء قنـا في ساحل البحر العربي الذي يعد من أهم موانئ مملكة حضرموت حينذاك.

 وأكد هذا الهجوم أن مخطط الأحباش هو تثبيت أقدامهم على الأرض اليمنية. وكانوا يعتقدون أن الحرب والعداء بين الممالك اليمنية لن تتيح لهم فرصة للتحالف ضد الأحباش ومخططهم المدعوم من حلفائهم الرومان.

 إلا أن ظنون الأحباش كانت محض فرضيات، عندما توحد أبناء اليمن متناسين خلافاتهم الداخلية ليقفوا صفاً واحداً ضد الأحباش وهو ما وثقته النقوش وسنستعرض نقشين نقلت لنا أحداثا في غاية الأهمية، الأول هو النقش Ry 533(٥) الذي تحدث فيه القائد رَبَّاَب أخطر والقائد أسد أسعد وهما من قادة الملك شاعر أوتر عن خوضهم معركة ضد الأحباش عند هجومهم على ميناء قنـا.

 وورد بالنقش مشاركة شعوب ذي ريدان - الحميريين وردمان ومضحي وأوسان في تلك المعارك، التي كان أهمها معركة بحرية استخدم فيها الجيش اليمني 47 زورقا وسفينة...

وقد ورد في النقش إنه عندما فشل الأحباش في هجومهم الأول ضد سبـأ والهجوم الثاني ضد حضرموت كان الهجوم الثالث ضد الحميريين.

أما النقش الثاني ZI 66 = Ja 631(٦) فقد تحدث فيه القيل السبئي قطبان أوكن الجرتي وقال، إنه أهدى إلمقه ثهوان رب أوام تمثالين ذهبيين حمداً له لما أعان عبده قطبان أوكن الجرتي وشعبهم سماهر يهولد بقتل وإبادة وسحق وإذلال الكثير من الأعداء في حروبه ... ويحمد الآلهة التي أعانته في قيادته حملة من مدينة نعض إلى مدينة ظفار (عاصمة الحميريين)  تنفيذاً لأمر إلههم وحاميهم عثتر عزيز ، عندما هاجم ((بيجة)) ابن النجاشي وجموع الأحباش ظفار ونزلوا بالقرب من المدينة، فتوجه قطبان نحو المكان والميعاد المتفق عليه مع الحميريين لنصب كمين للأحباش فوصل ليلاً لكن الجيش الحبشي انسحب من المواجهة فاريين  نحو جبل الإله الواقع وسط المدينة ، وعاد قطبان لينضم إلى قوات الملك الحميري ((إل عزيز ينوف يهصدق)) ملك سبأ وذي ريدان، فقتلوا وذبحوا الأحباش ودحروهم من وسط المدينة ، وثالث يوم وصلت من ذمار طلائع القوات مع باقي شعوب ذي ريدان فأغاروا ليلاً على معسكر الأحباش وقتلوا منهم 400 بحد السيف وفي اليوم الثالث برز قطبان أوكن الجرتي وقواته وجرى قتالا مع الأحباش وجهاً لوجه وكان معهم الرماة فرسان المعافر، فقتلوا الأحباش بالمبارزة وانسحبوا إلى مخيمهم وبعدها خرجوا من ظفار جوعى هاربين ...

هذا الدرس التاريخي يجب أن يتعلمه اليمنيين اليوم، فلم  يتنبه الأجداد لخطر الأحباش الغزاة إلا في فترة يقظة وطنية، تحالفوا بعدها وقاموا بطردهم من اليمن.

لكن ومع ذلك لم تتوقف أطماع الأحباش _ ومن وراءها الروم _ في الاستيلاء على ثروات اليمن وإخضاعها لهم، ففي النصف الأول من القرن الرابع الميلادي تعرضت اليمن لهجوم حبشي جديد قاده الملك الحبشي (( إيلاميدا الأول )) وقد استعادوا نفوذهم على السواحل الغربية لليمن المواجهة لبلادهم وتسلطوا على أجزاء كبيرة من البلاد وقد تلقب ملوكهم حينها بـ ((ملك أكسوم وحمير وحبشت وسبأ وزيلع وتهامة))، وامتد نفوذهم في اليمن طوال الفترة من سنة 340 _ 375 ميلادية حين تمكن اليمنيون من طردهم.

ظهور اليهودية والمسيحية

  المراجع التي عدنا إليها رجحت إن ((ظهور الديانة اليهودية في اليمن كان سابقا للمسيحية بوقت طويل)) (٧) أما عن الزمن الذي ظهرت فيه الديانة اليهودية فالروايات كثيرة ومن الصعب ترجيح رواية على أخرى. ويختلف الباحثون أيضا في مسألة الظروف التي أتاحت لليهودية الانتشار ويرجح الباحث" أبو ذؤيب" إن الديانة اليهودية كانت أقرب إلى عقلية العرب من الديانة المسيحية التي كانت تستمد بعض تعاليمها يومئذ من الفلسفة اليونانية. (٨)

والثابت أن اليمنيين اعتنقوا اليهودية وكان لها نفوذ كبير وسط المجتمع اليمني وفي البلاط الملكي أيضا.

ومن الدلائل على انتشار اليهودية ونفوذها وبالتحديد في القرنين الرابع والخامس استخدام النقوش اليمنية للمصطلح الختامي (السلام) أو ذكر اسم قوم إسرائيل(٩)، أو جملة ( رب يهود ) كما يُفهم من النقش CIH 543والنقش Ja 1028والنقش515 Ry.

 أما المسيحية فقد وصلت إلى اليمن في القرون الأولى الميلادية مع التجار المسيحيين، وكانت منذ البداية مرتبطة ببيزنطة.

وقد تحول جزء كبير من الأعيان في اليمن إلى المسيحية ولا سيما أقيال سلالة عبد كلال.

وفي القرن الخامس زادت متانة علاقة هؤلاء الأعيان السياسية مع بيزنطة والحبشة وأصبحوا مناصرين لهم. (۱۰)

هذا التطور الديني في اليمن أحدث صراعا داخليا بين معتنقي الديانتين اليهودية والمسيحية وكان انعكاسا للصراع بين القوتين (بيزنطة _ فارس)  المتحكمتان في تجارة الغرب والشرق. وقد منح هذا الصراع الداخلي هذه الدول الذريعة للتدخل في شؤون اليمن بحجة مساعدة أتباع كل دين.

حتى أن اليهودية ((أصبحت في القرن السادس أيديولوجية خوض النضال ضد النفوذ الحبشي)). (۱۱)

الغزو الحبشي (525 ميلادية)

    في العام 517 م استطاع الملك يوسف آسار يثأر أن يجلس على كرسي الحكم  بعد إسقاطه معدي كرب يعفر الذي عرف عهده وسابقيه بالتحالف مع الأحباش، وقد كان تبوء الملك يوسف آسار الحكم في اليمن وإعلانه بصورة ظاهرية اعتناق الديانة اليهودية يعني قطعا للعلاقات السياسية والاقتصادية مع الأحباش.

في نفس العام قام نجاشي الحبشة بإرسال فصائل عسكرية إلى اليمن، فهب الملك يوسف ضدها وضد حلفائها المحليين، ويصف النقش Jan 1028الذي نقر في يوليو 518م أحداث المعركة التي خاضها يوسف آسار ضد الأحباش وأيده في ذلك الأقيال لحيعة يرخم وسميفع أشوع وشرح آل بن أشوع وشرحبيل أسعد  والأقيال من قبيلة يزن وذو جدن.

ويقول النقش، إنه تم إحراق الكنيسة وقتل الأحباش في معركة ظفار وفي حرب الأشاعر وفي حرب ركاب وفي جزر فرسان وفي المخا وفي حرب وحصار نجران ...

   وخضعت نجران ليوسف آسار وهي المدينة التي كانت معقلا لمناصري الأحباش من المسيحيين وفيها تجار الروم الذي يرجح أن يوسف آسار قام بقتلهم.

وفي نجران  ترأس الملك يوسف آسار شخصيا أعمال إعدام المسيحيين سنة 523 ميلادية (وهو ما يعرف بحادثة الأخدود)، وقد أثار هذا الحدث رد فعل عاصف في العالم المسيحي.(۱۲)

ويرى الدكتور فاروق أباظة، إن ما قام به يوسف بن سعد، لم يكن مرجعه تعصبه لليهودية فحسب، بل كان مرتبطا بالصراع السياسي الذي كان محتوما_ حينذاك_  بين الفرس والروم الشرقية (بيزنطة) لإحتلال اليمن.

ويرجح أباظة، إن يوسف كان قد قاد حملة لغزو الحبشة خلال هذه الفترة ولكنها باءت بالفشل.

 وفي سنة 525 م، أعد نجاشي الحبشة حملة عسكرية على ظهر أسطول بحري ضخم إتجه إلى اليمن، واجهها يوسف آسار يثأر على ساحل البحر، واستطاع الأحباش هزيمة يوسف وقتله.

و كان للتأييد المعنوي البيزنطي للأحباش الذين كانوا على درجة كبيرة من الاستعداد والتدريب والتسليح، دورا مهما في نصرهم، وهذا ما كانت تفتقده اليمن حينها.

 ويصف الدكتور أباظة الدوافع التي حركت الأحباش لغزو اليمن بالدوافع السياسية والاقتصادية والدينية، فلم يكن الانتقام لمسيحيي اليمن إلا ذريعة استطاعت الحبشة من خلالها تحقيق هذه الأهداف وأهداف حليفتها بيزنطة.

الأحباش بعد سيطرتهم على اليمن،  قاموا بتعيين ((سميفع أشوع)) واليا تحت سيادتهم ولم تدم ولايته طويلا،  فعين (( أرياط)) واليا على اليمن حتى عام 535م، حين قتله أبرهة الحبشي واستحوذ على السلطة واستطاع التخلص من سيادة الحبشة، وألغى عرفها بتعيين وال من الأقيال الحميرية، وقام بإعلان نفسه ملكا على اليمن.

حاول أبرهة أن يجني ثمار حكمه، فعمل على تنمية الزراعة، وأعاد إنشاء سد مأرب المدمر ، وقلص من نفوذ الديانة اليهودية في وسط المجتمع اليمني وساعد على انتشار المسيحية عن طريق المبشرين، وفي عهده تم بناء عدة كنائس، مثل: كنيسة نجران وظفار والكاتدرائية الشهيرة في صنعاء المعروفة باسم ((القليس)) والتي زخرفها بالرخام والفسيفساء وطعمها بالذهب واللؤلؤ.

الثورة ضد الأحباش

  لم يستكن اليمنيون للغزو الحبشي، فقد برزت المقاومة اليمنية منذ السنوات الأولى التي وطأت فيها أقدام الأحباش أرض اليمن.

تشير الدراسات، إن انتفاضة العمال والعبيد ضد الوالي (( أرياط)) كانت أول مقاومة ضد الأحباش، وكان أرياط قد سخر العمال والعبيد لهدم الحصون اليمنية التي كانت مواقع لتمركز الجيش اليمني ضد الأحباش في التدخل الحبشي الأول ومن أهم هذه الحصون ((سلحين)) و ((بينون)).

و الأرجح أن هذه الانتفاضة لم تتسع لتشمل كل أطياف المجتمع اليمني وقد تم إخمادها.

ولكن المقاومة اليمنية ضد الأحباش لم تتوقف عند انتفاضة العمال والعبيد فبين عامي541 _ 542 م قام يزيد بن كبشة_ وهو من زعماء القبائل البارزين_ بحشد القبائل اليمنية للثورة ضد أبرهة.

وقد عثر على النقش الشهير CJH,541والذي نقر في عهد أبرهة الحبشي ويتألف من 136 سطرا؛ يسجل أخبار ثورة يزيد والقبائل ضد الأحباش.

و حسب تفسير الدكتور مطهر الإرياني، فإن النقش ((قد سطر حينما ثار وأخلف العهد يزيد بن كبشة وهو خليفة أبرهة الذي استخلفه على كندة ولم يكن في المشرق سواه خليفة، ومع ذلك فإن يزيد ثار وأعلن تمرده ومعه من أقيال سبأ من بني سحر وهم مرة وثمامة وحنش ومرثد ومن بني خليل حنيف ذو خليل ومن اليزنيين القيل معدي كرب بن سميفع أشوع وأخوته أبناء أسلم وهعان الأسلمي وعدد من كبار بني أسلم)).

ويذكر النقش، إن أبرهة أرسل القائد جره ذا زينر لإخضاع يزيد والقبائل الثائرة وإعادتهم لطاعة أبرهة.

لكن يزيد_ كما ورد في النقش_ استطاع هزيمة جره ذا زينر وأسر مازن الأذمري أحد قادة أبرهة واستطاع إخضاع مناطق لسيطرته.

بعدها أرسل أبرهة جيشا أكبر، مما أضطر يزيد للاستسلام بعد أن تبين له عدم قدرته على مواجهة هذه القوات الحبشية التي لا قبل لها.

ولم تتوقف مسيرة الرفض الشعبي للغزو الحبشي من خلال الثورات المحلية غير المنظمة، رغم محاولات أبرهة القضاء عليها وزادت هذه الثورات اشتعالا بعد الحملة الفاشلة التي وجهها أبرهة ضد الحجاز سنة 570م (المعروفة بحادثة الفيل).

بعد مقتل أبرهة في هذه الحملة، ظهر ولديه ((مسروق)) و (( يكسوم)) وريثان لملكه، ووصفت فترة حكمهما بالضعف وانحدر في طريق الانهيار.

وفي هذه الفترة اتجه القيلان اليزنيان معدي كرب وابنه سيف إلى فارس لطلب مساعدتهم   وطرد الأحباش من اليمن، وحوالي عامي 576، 577 ميلادية تم إنزال الجنود الفرس (وعددهم 600 مقاتل فقط) إلى اليمن. (۱۳) استطاعوا بمساندة قبائل يمنية طرد الأحباش وتحويل من بقي منهم إلى خدم لدى زعماء القبائل و سيف بن ذي يزن الذي عين حاكما صوريا على اليمن تحرسه حراب الفرس، الذين أطلق المؤرخون العرب عليهم لفظة الأبناء، لكن هذه الحراب كما تروي الروايات العربية لم تنقذه من انتقام الأحباش فخر صريعا بأيدي خدمه من أبناء الحبشة.

وعاد بعد مقتل سيف بن ذي يزن ابن أبرهة إلى الحكم من جديد، كما ورد في كتاب ((اليمن قبل الإسلام والقرون الأولى للهجرة)).

 وخشيت فارس من سيطرة بيزنطة بواسطة حلفائها الأحباش على اليمن مرة أخرى، فقامت بإرسال 4 آلاف مقاتل بقيادة وهرز تمكنوا من تحويل اليمن إلى ولاية تابعة للإمبراطورية الساسانية (فارس).

وتولى ولاية اليمن القائد الفارسي وهرز وخلفه ابنه المرزبان ثم البينجان بن وهرز ثم ابنه خسرو وأخيرا تولى الحكم الوالي الفارسي باذان الذي اعتنق الإسلام سنة 628م وأصبحت اليمن جزءا من الدولة الإسلامية.

الثمرة

   من يطلع على كتاب ((نقد التاريخ القديم)) للدكتور عارف المخلافي سيعرف معضلة البحث في هذا الفرع.

 ويتضح من مقدمة الكتاب، إن التاريخ القديم  ليس كباقي فروع هذا العلم، فهو يأكل نفسه؛ لأن العديد من أحداثه ومظاهره الحضارية تموت بسبب تدمير مدن أو دولة بكل تفاصيلها، وأيضا يكشف بعضه الآخر؛ لأن ممالك تحدثت عنها حضارات أخرى في كتاباتها قبل أن تكشف عنها التنقيبات في العصر الحديث.

 و رغم المعضلات التي يواجهها الباحث في هذا الفرع من فروع التاريخ، إلا أننا استطعنا الطواف خلال عرضنا هذا في صفحات مهمة من تاريخ اليمن، التي لم تتغير أهمية موقعها الجغرافي بتغير وسائل التجارة العالمية خلال آلاف السنين.

وأنصح القارئ الكريم أن يتوسع بالقراءة عن هذه الفترة التاريخية المهمة، فالتجربة التي خاضتها اليمن في تاريخها القديم حية تتجسد في صفحات التاريخ اليمني حتى اللحظة رغم اختلاف الكيانات المتصارعة، فالمطامع السياسية والاقتصادية باقية لا يمحها الزمن من أجندة الدول الكبرى المتحكمة بالسياسة والاقتصاد في العالم.

شرط أن يكون دافع القراءة المعرفة والحرص على عدم الوقوع في أخطاء الماضي التي تتكرر اليوم بثوب جديد، وليس لرغبة إتباعية وتغيير للواقع وتجسيد كل تفاصيل الحياة في الماضي على الحاضر إما فكرا أو حلولا للمشكلات، ولا حتى للجدل من أجل تعزيز رأي وإلغاء آخر.

___________________________

بحث في المراجع: هيثم ناجي

مراجعة تاريخية: معمر الشرجبي

___________________________

التذييل:-

۱_ د. فاروق عثمان أباظة: حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من كلية الآداب جامعة الإسكندرية، عمل محاضرا في كلية التربية بجامعة عدن ثم خبيرا للتراث في المركز اليمني للأبحاث، من مؤلفاته: الحكم العثماني في اليمن و كتاب عدن والسياسة البريطانية في البحر الأحمر.

 

۲_ يوسف، أحمد: الدور المصري في اليمن(1962_1967)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1981، ص 15.

3_ Beeston, Alfred F.L. 1937. Sabaean inscriptions. Oxford

٤_ الإرياني، مطهر، نقوش مسندية وتعليقات، مركز الدراسات والبحوث، صنعاء،1990، ط 2، ص100_ 108

5_Ryckmans, Gonzague 1955. Inscriptions sud-arabes. Douzième série. Le Muséon, 68: 297_312.

٦_ عنان، زيد بن علي، تاريخ حضارة اليمن القديم، المطبعة السلفية، القاهرة،1976، طـ 1، ص 327_331

٧_ بيوتروفسكي، م.ب : اليمن قبل الإسلام والقرون الأولى للهجرة ، ترجمة محمد الشعيبي، ط 1، دار العودة، بيروت، 1987، ص 237

٨_  ولفنسون، إسرائيل:  تاريخ اليهود في بلاد العرب، تقديم طه حسين، مطبعة الاعتماد، القاهرة، 1937، ص 37

٩_ اليمن قبل الإسلام، نفس المرجع السابق: 239

۱۰_ اليمن قبل الإسلام، مرجع سابق: 241

۱۱_ اليمن قبل الإسلام، مرجع سابق: 239

۱۲_ اليمن قبل الإسلام، مرجع سابق: 76، 77

۱۳_ اليمن قبل الإسلام، مرجع سابق: 80 (بتصرف) .

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق

المصادر